منتدى الاستقلال للدراسات السياسية والاستراتيجية
Istiqlal Forum for Political & Strategic Studies — IFSS Damascus
مشروع النماذج التراثية العربية التطبيقية

السؤال الخاطئ حول وقف إطلاق النار في إيران

بناءً على أطروحات نايف شعبان — نظرية التوظيف الجيوسياسي

في فجر الثامن من أبريل 2026، ومع دخول وقف إطلاق النار المؤقت بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران حيز التنفيذ لمدة أسبوعين، انشغلت الأوساط السياسية والإعلامية بسؤال واحد مهيمن: «هل ستصمد هذه الهدنة؟»

مقدمة: ما وراء الهدنة — فخ السؤال السطحي

تفرعت عن هذا السؤال محاور فرعية حول مدى شمولية الاتفاق للجبهة اللبنانية، ومستقبل الملاحة في مضيق هرمز، ودور الضمانات الدولية والوساطة الباكستانية. لكن، وبالاستناد إلى إطار تحليلي أعمق، مستلهم من «نظرية التوظيف الجيوسياسي» (Geopolitical Instrumentalization Theory)، يتضح أن هذا السؤال، على أهميته الظاهرية، هو في جوهره «السؤال الخاطئ».

إن الانشغال بمتانة الهدنة أو هشاشتها، أو حتى بتفاصيل بنودها، هو انشغال بـ «العرض» لا بـ «المرض»، وبـ «الأداة» لا بـ «الهندسة» الكبرى التي تُعاد صياغة المنطقة وفقاً لها. ففي عالم السياسة الدولية، لا تُقاس الصراعات بنتائج المعارك الميدانية أو بوقف إطلاق النار المؤقت فحسب، بل بمدى نجاحها في فرض «بيئات تفاعلية» جديدة تُنتج نتائج هيكلية طويلة الأمد، وتُعيد تعريف قواعد اللعبة.

الهدنة الحالية ليست «استراحة محارب» عفوية، بل هي «فصل إجرائي» (Procedural Chapter) في مسرحية جيوسياسية أوسع، تهدف إلى إعادة تعريف «حق المنفعة» في الممرات الدولية، وتغيير طبيعة «مفاتيح الحرب» ذاتها.

تتجاوز هذه المقالة التحليل السطحي للأحداث لتكشف عن الأبعاد الهيكلية العميقة التي تُشكّل المشهد الحالي. سنستعرض كيف تُوظف الأزمات والصراعات، وحتى الهدن، كأدوات في يد القوى المهيمنة لتحقيق أهداف استراتيجية تتجاوز النوايا المعلنة للأطراف الفاعلة. وسننتقل من منطق القوة البحرية التقليدي (مدرسة ماهان) إلى منطق السيادة اللوجستية والرقمية (مدرسة الشيباني)، لنفهم من يملك حق صياغة قواعد المرور والتحكم في شبكات التسوية العالمية في القرن الحادي والعشرين.

أولاً: نظرية التوظيف الجيوسياسي — الهندسة الخفية للصراعات

لفهم المشهد الحالي، لا بد من الغوص في «نظرية التوظيف الجيوسياسي» (Geopolitical Instrumentalization Theory — GIT)، وهي إطار تحليلي لتفسير كيفية عمل القوى المهيمنة في تشكيل الواقع الإقليمي والدولي. هذه النظرية تختلف جوهرياً عن «نظرية المؤامرة» الشائعة. فبينما تفترض المؤامرة وجود «غرفة سرية» يجلس فيها أشخاص ويرسمون خططاً واعية ومباشرة، فإن نظرية التوظيف الجيوسياسي ترى أن القوى المهيمنة الكبرى لا تحتاج بالضرورة إلى «إدارة مباشرة» أو «تنسيق واعٍ» مع الأطراف الإقليمية. بدلاً من ذلك، هي تملك القدرة على «تهيئة بيئات تفاعلية» (Interactive Environments) تنتج النتائج التي تريدها تلقائياً، حتى عندما تعارضها الأطراف الأخرى ظاهرياً، وحتى عندما لا تدرك هذه الأطراف أنها تخدم هدفاً لم تختره.

الفارق الجوهري هنا يكمن بين «النية الواعية» و«البنية الهيكلية». المؤامرة تحتاج نية واعية وتنسيقاً مباشراً، بينما التوظيف يعتمد على بنية هيكلية تُفرز نتائجها بمعزل عن النوايا الفردية للأطراف. إنها أشبه بـ «خوارزمية» (Algorithm) جيوسياسية تُشغل الفاعلين الإقليميين كـ «عناصر» (Elements) في نظام أكبر، حيث يتصرفون تلقائياً بما يخدم «الهندسة الكبرى» (Grand Engineering) دون وعي كامل بذلك، أو حتى وهم المقاومة.

تُقسم نظرية التوظيف الجيوسياسي «دورة حياة الأداة» (Life Cycle of an Instrument) إلى ثلاث مراحل رئيسية:

المرحلة الأولىالتوظيف الإيجابي — Positive Instrumentalization

في هذه المرحلة، تُستخدم الأداة (كيان إقليمي، حركة، أيديولوجيا) لتحقيق أهداف استراتيجية للقوى المهيمنة. قد يكون هذا التوظيف غير مباشر، حيث تُستغل البنية الأيديولوجية أو المصالح الذاتية للأداة لدفعها نحو نتائج تخدم الهندسة الكبرى. في سياق إيران، أرى أن المشروع الإيراني، منذ عام 1979، ورغم رفعه راية مقاومة الهيمنة الأمريكية-الإسرائيلية، قد أدى وظيفة موضوعية في تفكيك الدول الوطنية العربية (من العراق إلى سوريا ولبنان واليمن)، وتعميق الانقسامات الطائفية، واستنزاف المجتمعات في حروب جانبية.

هذه النتائج، بغض النظر عن النوايا الإيرانية، خدمت الهندسة الإقليمية الأمريكية-الإسرائيلية من خلال إضعاف الكيانات المركزية وخلق فراغات تُملأ لاحقاً. لقد كانت إيران، بـ «وظيفتها الموضوعية» (Objective Function) كما يسميها المفكر عبد الوهاب المسيري، أداة فعالة في إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط، وتبرير الوجود العسكري الأمريكي، وتمهيد الطريق لمشاريع التطبيع الإقليمية.

المرحلة الثانيةالتوظيف السلبي — Negative Instrumentalization

بعد أن تستنفد الأداة وظيفتها الإيجابية، وتُحقق الأهداف المرجوة منها، فإنها تتحول من «أصل» (Asset) إلى «عبء» (Liability). في هذه المرحلة، تبدأ الأداة في عرقلة المرحلة التالية من الهندسة الكبرى. في الحالة الإيرانية، بعد أن اكتملت مهمتها الوظيفية في تفكيك المنطقة وتمهيد الطريق للمشروع الإبراهيمي، لم تعد «محور مقاومة مفيداً»، بل أصبحت «برنامجاً نووياً يهدد التوازن»، وتمددها الإقليمي بات يعيق الممرات اللوجستية الجديدة. هذا التحول من أصل إلى عبء يبرر الانتقال إلى المرحلة الثالثة.

المرحلة الثالثةمرحلة التخلص — Disposal Phase

هذه هي المرحلة التي نشهدها حالياً. بعد أن تُصبح الأداة عبئاً، يتم «التخلص» منها. هذا التخلص لا يعني بالضرورة تدميراً كاملاً، بل قد يكون «إزاحة» أو «تحجيماً» يضمن عدم عرقلتها للمشاريع الجديدة. الحرب الحالية على إيران، التي بدأت في يونيو 2025 وتصاعدت في فبراير 2026، ليست نتيجة فشل إيران، بل هي نتيجة «نجاحها» في أداء دورها الوظيفي التاريخي. لقد أدت إيران دورها في تفكيك المنطقة، والآن حان وقت إزاحتها لتمكين المرحلة التالية من الهندسة الكبرى. الهدنة الحالية، في هذا السياق، ليست نهاية الصراع، بل هي جزء لا يتجزأ من هذه المرحلة، تُستخدم لترسيخ واقع جديد وتبرير خطوات لاحقة.

ثانياً: الهدنة كأداة في مرحلة التخلص — شرعنة التدويل وتغيير قواعد اللعبة

إن الهدنة المؤقتة في أبريل 2026، وما صاحبها من مفاوضات وضمانات دولية، يجب أن تُقرأ كـ «أداة» في يد القوى المهيمنة لتسهيل مرحلة التخلص من إيران كـ «أداة» سابقة، وتمهيداً لفرض نظام جيوسياسي جديد. يمكن تحليل وظيفة هذه الهدنة من عدة زوايا:

شرعنة تدويل الممرات الاستراتيجية

لقد كشفت الحرب الأخيرة عن هشاشة الممرات البحرية التقليدية، لا سيما مضيق هرمز وباب المندب. فبينما كانت إيران تغلق هرمز، والميليشيات الحوثية تهدد الملاحة في باب المندب، كانت هذه الأفعال، بغض النظر عن النوايا المعلنة، تُقدم «مبرراً موضوعياً» (Objective Justification) لـ «تدويل» هذه الممرات أو فرض «نظام حوكمة» (Governance System) جديد عليها. الهدنة، بضماناتها الدولية وقرارات مجلس الأمن المرتقبة، تهدف إلى نقل إدارة هذه الممرات من السيادة الوطنية للدول المشاطئة إلى «إدارة المنظومة الدولية» التي تُصاغ قواعدها من قبل القوى الكبرى. هذا التحول ليس مجرد إجراء أمني، بل هو إعادة تعريف لمفهوم السيادة على الممرات الحيوية.

اختبار «عدم الأهلية السيادية»

الهدنة تضع طهران أمام اختبار حاسم: هل تستطيع السيطرة على وكلائها وميليشياتها في المنطقة، لا سيما في لبنان؟ الخلافات المبكرة حول شمولية الهدنة للجبهة اللبنانية ليست مجرد «تفسيرات متباينة»، بل هي جزء من «البيئة التفاعلية» التي تُهيئها القوى المهيمنة. إذا فشلت طهران في لجم التصعيد من قبل حزب الله أو غيره من الفاعلين، فإن ذلك سيُقدم «دليلاً» على «عدم أهليتها السيادية» (Sovereign Ineligibility) لإدارة هذه الجبهات، مما يبرر لاحقاً «جراحة كبرى» (Major Surgery) أو فرض قواعد اشتباك جديدة تُقلص من نفوذها. الهدنة هنا ليست لإنهاء الصراع، بل لـ «تحديد» (Delimiting) مساحات السيطرة والنفوذ، وتبرير التدخلات المستقبلية.

تسريع ولادة الممرات اللوجستية البديلة

لقد أدت الحرب، وبشكل خاص إغلاق مضيق هرمز من قبل إيران، وظيفة حاسمة في تسريع ولادة «ممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا» (IMEC). هذا الممر، الذي تم الإعلان عنه في قمة العشرين بنيودلهي في سبتمبر 2023، ليس مجرد خط تجاري، بل هو «نظام مقابل نظام» (System vs. System)، يمثل الرد الأمريكي على مبادرة الحزام والطريق الصينية. إغلاق هرمز، بغض النظر عن النوايا الإيرانية، أثبت للعالم — وللصين تحديداً — أن الممرات البحرية التقليدية «غير موثوقة»، مما حوّل الممر البري عبر إسرائيل من «طموح سياسي» إلى «ضرورة لوجستية» وجودية للاقتصاد العالمي. الهدنة، بوقفها المؤقت للقتال، تمنح الوقت اللازم لترسيخ هذا الواقع الجديد، وتثبيت البنى التحتية للممرات البديلة.

ثالثاً: صراع المفاتيح — من قوة الأسطول إلى سيادة المنصات

إن فهم «مفاتيح الحرب» في القرن الحادي والعشرين يتطلب تجاوز المنطق التقليدي للقوة العسكرية المادية. لقد شهدنا تحولاً جذرياً في مفهوم «السيطرة» على الممرات الاستراتيجية:

منطق ماهان — القرن التاسع عشر

كان الأدميرال الأمريكي ألفريد ماهان يرى أن «من يسيطر على البحر يسيطر على العالم»، وأن «المضيق» هو نقطة التحكم التجاري-العسكري. في هذا المنطق، من يملك الأسطول الأقوى يملك المضيق. هذا المنطق، الذي بنت عليه الولايات المتحدة سياستها البحرية وقواعدها العسكرية حول المضائق الاستراتيجية، كان سائداً في القرن الماضي. إيران، بإغلاقها هرمز، كانت تتصرف وفق هذا المنطق، ظناً منها أنها تملك «مفتاح الحرب».

منطق الشيباني — القرن الحادي والعشرون

لكن المفتاح الحقيقي اليوم ليس في قوة الأسطول فحسب، بل في «حق المنفعة» وصياغة قواعد المرور والتحكم في المنصات الرقمية واللوجستية. هنا يبرز فكر الفقيه المسلم محمد بن الحسن الشيباني (ت. 189 هـ / 805 م)، الذي كتب «كتاب السير الكبير» قبل ألف عام من ماهان. الشيباني لم يكتب عن استراتيجية عسكرية، بل عن «فقه» الفضاء الذي يقع بين الكيانات السياسية، حيث ميز بين أحكام الأراضي ذات السيادة الكاملة وأحكام طرق التجارة والممرات. السؤال الذي طرحه الشيباني هو: «من يملك حق المنفعة في الممر؟» وليس «من يملك القوة الكافية للسيطرة عليه؟»

هذا التمييز جوهري. ففي فقه الشيباني، الهدنة تُبنى على «مصلحة موثوقة» (Reliable Interest) ومتبادلة، وشرط الموثوقية هو «القدرة على الالتزام»، وهي قدرة لا تتوفر لمن لا يملك استقلالية قراره. هذا يعني أن «السيادة» الحقيقية اليوم ليست في التحكم المادي بالمضيق، بل في القدرة على صياغة قواعد المرور، والتحكم في «بروتوكولات التسوية» (Settlement Protocols) التي تُجرى عليها المعاملات التجارية.

«السيادة» الحقيقية اليوم ليست في التحكم المادي بالمضيق، بل في القدرة على صياغة قواعد المرور، والتحكم في «بروتوكولات التسوية» التي تُجرى عليها المعاملات التجارية.

لقد أدت حرب أكتوبر 1973 إلى ولادة نظام «البترودولار» (Petrodollar)، حيث أصبحت التسوية النهائية للمعاملات التجارية العالمية تتم بالدولار، مقابل ضمان أمني أمريكي. هذا النظام كان قائماً على ثلاثة عناصر: النفط المسعر بالدولار، الفوائض التي تعود إلى سندات الخزانة الأمريكية، وإطار أمني يحمي الترتيب. لكن هذا النظام بدأ يتآكل مع «تشقق البترودولار» (Petrodollar Fissure) في فبراير 2022، عندما جمدت الولايات المتحدة وحلفاؤها ثلاثمائة مليار دولار من الاحتياطيات الروسية المودعة في النظام المالي الغربي. هذا الإجراء كشف أن الاحتياطي الدولاري ليس «ملكاً مطلقاً» للدولة، بل هو «وديعة مشروطة» بعلاقتها السياسية مع واشنطن وبرلين وباريس. كما كشف أن نظام SWIFT ليس مجرد شبكة تقنية، بل هو «أداة سياسية» تتحكم في من يستطيع الدفع لمن.

هذا التآكل دفع الدول إلى التفكير في البدائل، وتنوع احتياطياتها بعيداً عن الدولار، وتسريع برامج العملات الرقمية للبنوك المركزية (CBDCs) كبديل لـ SWIFT. لكن المفتاح الحقيقي في القرن الحادي والعشرين، الذي يحل محل التحكم في تسعير النفط بالدولار، هو «من يملك البنية التحتية التي تُجرى عليها التسويات؟» هذه البنية لها ثلاثة أوجه:

الوجه الأولمنصة التسوية

مثل SWIFT وبدائلها، حيث يملك طرف معين مفاتيح كل منصة تسوية.

الوجه الثانيالعملات الرقمية للبنوك المركزية — CBDCs

التي تتسابق عليها القوى الكبرى ليس لكونها أكثر كفاءة، بل لأن من يصيغ بروتوكول التسوية يحدد حدود من يُسمح له بالدفع لمن.

الوجه الثالثالممرات اللوجستية الرقمية

مثل ممر IMEC، الذي ليس مجرد سكة حديد، بل هو بنية تحتية من الألياف البصرية ومراكز البيانات والعقد اللوجستية التي ستكون عصب التسوية التجارية للنصف الثاني من هذا القرن.

من يملك هذه البنية الثلاثية الأبعاد — منصة التسوية، مسار البيانات، والممر اللوجستي — هو من يملك «مفاتيح الحرب» في القرن الحادي والعشرين. هنا يدخل منطق الشيباني، حيث من يصيغ قواعد «حق المنفعة» في الممر، وليس من يملك الأسطول، هو من يملك المفتاح الحقيقي.

رابعاً: هندسة الفراغ القادم — الهدنة كـ «إعادة ضبط» للعبة الكبرى

إن الهدنة الحالية، وما يتبعها من مفاوضات، ليست محاولة لـ «ملء فراغ» (Filling a Vacuum) بل هي جزء من عملية «هندسة فراغ» (Engineering a Vacuum) سياسي ولوجستي، سيُملأ لاحقاً بنظام مُصمم مسبقاً. هذا يتوافق مع مفهوم «الانفراد بالملك» لابن خلدون، حيث يتخلص المنتصر من شركائه الذين أعانوه على الوصول، لا لأنهم خانوه، بل لأن الحاجة إليهم انقضت. إيران، التي أدت دورها في الهندسة الكبرى، يتم الآن التخلص منها كأداة، والهدنة هي جزء من هذه العملية.

يمكن تلخيص التحول في المشهد الجيوسياسي الذي تُسرعه الهدنة الحالية في الجدول التالي:

وجه المقارنة المنطق التقليدي (قبل 2022) المنطق الجيوسياسي الجديد (بعد 2022)
طبيعة الصراع صراع عسكري-أمني للسيطرة على الموارد هندسة جيوسياسية لإعادة تعريف السيادة اللوجستية
هدف الهدنة وقف القتال والبحث عن حلول سياسية إعادة تموضع القوى واختبار «الأدوات» في بيئة تفاعلية
مضيق هرمز ورقة ضغط إيرانية لرفع العقوبات أداة لشرعنة الممرات البديلة (IMEC) وإثبات عدم موثوقية الممرات التقليدية
البترودولار نظام مالي عالمي مستقر نظام يتآكل، يحل محله «سيادة المنصات» الرقمية واللوجستية
الدور الإيراني محور مقاومة أو تهديد إقليمي أداة وظيفية في الهندسة الكبرى، تُزال بعد استنفاد دورها
المستقبل الإقليمي العودة إلى ما قبل 28 فبراير 2026 ولادة «سيادة المنصات» وتجاوز «سيادة الجغرافيا» التقليدية

إن الفراغ الجيوسياسي الذي سينتج عن إزاحة إيران كـ «أداة» لن يبقى طويلاً. فالقوى المهيمنة لا تعمل في فراغ، بل تُهيئ البيئة لظهور نظام جديد يتوافق مع مصالحها. الهدنة، في هذا السياق، تمنح الوقت اللازم لترتيب البدائل اللوجستية والسياسية، وتثبيت البنى التحتية للممرات الجديدة، وتحديد الفاعلين الإقليميين الذين سيُسمح لهم بالمشاركة في صياغة قواعد اللعبة الجديدة.

خامساً: التناقضات الكبرى — حدود الهندسة الجيوسياسية

رغم دقة «نظرية التوظيف الجيوسياسي» في تفسير المشهد، إلا أن الهندسة الكبرى ليست مثالية أو خالية من التناقضات. هناك ثلاثة تناقضات رئيسية قد تفتح «نوافذ» غير مخطط لها:

فراغ ما بعد إيران

إن إزالة إيران كـ «أداة» ستخلق فراغاً جيوسياسياً. هذا الفراغ، لا سيما في الجغرافيا التي كانت تسيطر عليها الميليشيات المدعومة من طهران، لن يُملأ تلقائياً بنظام يتوافق مع القواعد الجديدة. فالميليشيات لا تتحول تلقائياً إلى أنظمة براغماتية تقبل بقواعد اللعبة الجديدة. هذا قد يؤدي إلى دورة توظيف جديدة مع فاعلين غير محسوبين، مما يعيد تشكيل دورة التوظيف برمتها.

الموقف الهندي المعقد

الهند، التي وقعت على وثيقة IMEC، تتبع سياسة «التعدد المتعمد» في علاقاتها، فلا تقطع علاقاتها مع بكين أو موسكو. هذا التعدد يجعلها عموداً فقرياً هشاً للهندسة الغربية التي تهدف إلى «تطويق» الصين. فإذا أغلقت الهند خياراتها الأخرى، فإنها تفقد فاعليتها كـ «أداة» في هذه الهندسة. هذا التناقض يضع حدوداً لقدرة الهندسة على تحقيق أهدافها بالكامل.

الصين كـ «مراقب» يتحول إلى «فاعل»

حتى الآن، تتصرف الصين كـ «مراقب» للهندسة المحيطة بها. لكن عندما يصل «الطوق» إلى درجة الخنق الفعلي، ستتحول الصين من مراقب إلى فاعل. أدواتها المتاحة تشمل تعميق الممرات البديلة عبر إيران وباكستان، وتوسيع حضورها في موانئ المحيط الهندي، وتسريع إنشاء منصات تسوية بديلة للدولار. هذا التدخل الصيني قد يفتح نوافذ غير متوقعة ويحدد الحدود الفعلية للهندسة الجيوسياسية.

هذه التناقضات لا تلغي الهندسة الكبرى، بل تحدد حدودها وتفتح نوافذ لما لم يُخطط له. فالتاريخ يفاجئ دائماً من داخل البنية، لا من خارجها.

خاتمة: السؤال الصحيح — نحو سيادة معرفية ولوجستية

إن الانشغال بـ «صمود الهدنة» هو سؤال يغرق في التفاصيل الإجرائية ويُفوت الصورة الأكبر. السؤال الحقيقي الذي يجب أن يشغل بال العقل الاستراتيجي، لا سيما في المنطقة العربية، هو: «من الذي سيصيغ قواعد حق المنفعة في الممرات اللوجستية والرقمية بعد هذه الحرب؟ وكيف يتم توظيف الهدنة كأداة في الهندسة الكبرى؟»

لقد أعطانا الشيباني السؤال الصحيح: «من يملك حق المنفعة في الممر؟» وليس «من يملك الأسطول؟». وأعطانا ابن خلدون ومالك بن نبي الإطار الذي يفسر لماذا لا تستطيع المنطقة العربية الإجابة عن هذا السؤال بمنطقها الخاص. فابن خلدون يرى أن «العصبية» التي تُبنى عليها الدول تتآكل، وأن «الرصيد الداخلي» (Internal Capital) — المتمثل في التراكم المؤسسي والمعرفي والاقتصادي — هو ما يجعل الكيان قادراً على الالتزام من موقع «القدرة» لا من موقع «الحاجة». ويكمل مالك بن نبي هذا التحليل بمفهوم «القابلية للاستعمار» (Colonizability)، حيث لا يحدث الاختراق الخارجي بمجرد وجود قوة راغبة في الاختراق، بل يحتاج إلى شرط بنيوي داخلي يُتيحه.

الهدنة ليست نهاية الحرب، بل هي «إعادة ضبط» (Reset) لقواعد اللعبة الكبرى. الحرب على إيران لم تُشن لأنها فشلت، بل لأنها «نجحت» في أداء دورها الوظيفي التاريخي، والآن حان وقت استبدال «الأداة الخشنة» بـ «المنصة الناعمة». من يملك «بروتوكول» التشغيل الرقمي واللوجستي، هو من يملك «مفاتيح الحرب» والسلم.

وما الهدنة إلا حبرٌ على ورق يُمهد لواقعٍ كُتبت مسودته في نيودلهي وباريس قبل سنوات.

إن التحدي الأكبر للمنطقة العربية ليس في مراقبة صمود الهدنة، بل في بناء «رصيد داخلي» حقيقي، يُمكّنها من صياغة قواعدها الخاصة، وتقييم الترتيبات بمنطق مستقل، وتقديم الالتزام من موقع القدرة لا الحاجة. هذا الرصيد لا يُنتجه إلا تراكم معرفي ومؤسسي حقيقي، وهو ما يقدمه تحليل التراث — ابن خلدون ومالك بن نبي — في طبقتين متميزتين.

المراجع والمصادر
  1. [1] الجزيرة نت. (2026، 9 أبريل). 24 ساعة على اتفاق الهدنة.. إليكم أهم ما حدث بأول أيام وقف حرب إيران. aljazeera.net
  2. [2] شعبان، نايف (2026). مفاتيح الحرب: الشيباني وماهان وسيادة المضائق في القرن الحادي والعشرين. منتدى الاستقلال للدراسات السياسية والاستراتيجية، دمشق.
  3. [3] المسيري، عبد الوهاب. موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية. (مفهوم الوظيفة الموضوعية).
  4. [4] شعبان، نايف (2026). اللعبة الكبرى: نظرية التوظيف الجيوسياسي ومرحلة التخلص من الأداة.
  5. [5] Mahan, Alfred Thayer. (1890). The Influence of Sea Power Upon History, 1660–1783.
  6. [6] Odell, Peter R. (1986). Oil and World Power.
  7. [7] Financial Times. (2022, February 28). Western allies freeze Russian central bank assets.
  8. [8] ابن خلدون، عبد الرحمن. المقدمة. (مفهوم الانفراد بالملك والظهور بالدولة).
  9. [9] بن نبي، مالك. شروط النهضة. (مفهوم القابلية للاستعمار).